سيبونا شوية من أصحاب القلوب الغليظة، والعقول اللي ما بتشوفش في مصر إلا اللي هما عايزين يشوفوه… قُبح، وسواد، وتشويه متعمد لكل ما هو جميل فينا. سيبونا نرتاح شوية من الزعيق اللي لبس الوطنية لبس مزيف، والدين اتحول عندهم لأداة، والثورة اتسرقت باسم جماعة أو شخص أو حتى مؤسسة.
أنا كنت في لندن. القناة اللي كنت بظهر فيها قللت ظهوري خوفاً عليا من ردود أفعال إعلام النظام… قال يعني كنت بعمل حملة ممنهجة!
لقيت نفسي قدامي 4 أيام فاضية. واللي يعرفني يعرف إنّي ما باحبّش المولات ولا التمشية في المحلات، زي ما بيقولوا عليّا إني غرقان في فلوس الإخوان! أنا لما أسافر، أول حاجة أروح لها هي المتاحف. وفعلاً، زرت أربع متاحف من أجمل ما يكون: المتحف البريطاني، متحف التاريخ الطبيعي، فيكتوريا وألبرت، والناشونال جاليري.
دخلت كل المتاحف مجاناً، لا القناة دفعت، ولا أنا كنت طالع أفسّح على حساب التنظيم! وخدت فيهم حوالي 1300 صورة… مش هشاركهم كلهم، بس شوية صور كده ممكن أوريهم ليكم.
لكن أهم مكان رُحت له، هو المكان اللي ما ينفعش مصري يكون في لندن وما يزورهش: المسلة المصرية اللي واقفة على نهر التيمز!
المسلة دي عمرها فوق الـ ٣٥ قرن، كان رفعها الملك تحوتمس الثالث في هليوبوليس (اللي هي دلوقتي عين شمس)، وسجّل عليها انتصاراته. بعده جه رمسيس الثاني، وبدل ما يشيل شغل اللي قبله، زوّد عليه! كتب انتصاراته جنب عمود تحوتمس، مش طمس القديم، لكن زاحمه!
المسلة فضلت في مصر لحد ما جم الرومان ونقلوها إسكندرية، وبعدين محمد علي أداها هدية للإنجليز. الإنجليز كانوا شايفين تكاليف النقل كتير، فسبوها سنين، لحد ما الناس اكتتبوا وجمعوا الفلوس، ونقلوها أخيراً.
لكن الرحلة ما كانتش سهلة… عملوا حافظة حديد للمسلة اسمها “كليوباترا”، وسحبوها ورا سفينة تانية، لكن وهم في بحر البسكاى جت عاصفة، والحافظة كادت تغرق ومعاها الناس اللي عليها! للأسف ماتوا، وفضلت أسماؤهم منقوشة على لوحة تحت المسلة لحد النهاردة. وبعد أيام، الحافظة طفت، ولقتها سفينة إسبانية، وسلموها للإنجليز بعد ما دفعوا مبلغ كبير جداً وقتها.
المسلة دلوقتي محاطة بتمثالين لأبو الهول – مش أصليين – معمولة من البرونز، واتحطوا أيام الملكة فيكتوريا. هتلاقي على تمثال منهم آثار شظايا قنبلة من الحرب العالمية الأولى.
بس وأنا واقف قدام المسلة، سألتي نفسي:
يا ترى، لو المسلة فضلت في مصر، كانت هتبقى فين؟
ولو رجعت، هل إحنا عندنا عقل تاريخي نستوعب قيمتها؟
هل قدرنا نكسر الجدار اللي بينا وبين العالم بقصصنا الحقيقية؟ ولا لسه بندور في نفس الدايرة ودماغنا بتسمع وتردد بس؟
لما رجعت مصر، حسّيت بغربة غريبة…
يمكن لأنّ الرحلة الحقيقية مش من لندن للقاهرة…
الرحلة الحقيقية هي رحلة رجوع مصر لنفسها.
وربما – ويا للأسى – تكون أصعب من رحلة المسلة نفسها!
